www.alibapir.com
 
 

 

(حماية المدنيّين في حالة الحرب في الشـريعة الإسلامية...)
الشيخ على بابير-
أمير الجماعة الاسلامية الكردستانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد و من إهتدى بهداه

للحديث عن موقف الشـريعة الإسلامية الحكيمة السمحة تجاه المدنيين المسالمين في حالة الحرب، بداية لابُدّ من توضيح ثلاث مسائل جوهرية لها ارتباط وثيق بالموضوع المراد بحثه :

المسألة الأولى : حكمة الله تعالى في خلق الإنسان هي الإبتلاء و الإختبار :

 ان الله تعالى خلق الإنسان و استخلفه في الأرض كي يبتليه و يمتحنه ثم يأخذ نتيجة امتحانه أياً كانت في الآخرة. كما قال تعالى:

[ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ] (الأنبياء -35)

وقال : [ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ] (الملك -2)

وقال : [ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ] (الكهف -7)

و مما لاشك فيه أن أداء الإنسان للامتحان المطلوب منه في حياته الدنيوية متوقف على الحرية والاختيار وذلك كي يتأتّى منه كل من النجاح والرسوب. و لهذا أعطى الله الحكيم الكريم الإنسان كامل الحرية والاختيار في اختيار المسـير الذي يختاره و يُحبّذه كما قال تعالى :

[ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ] (الإنسان-3)

وقال : [ وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ] (الكهف – 29)

وقال : [ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ] (يونس -99)

إذاً :

فحكمة الله تبارك و تعالى في خلق الإنسان هي الابتلاء و الامتحان، و قد أعطى الله تعالى الإنسان الحرية الكاملة و خيـّره اختيارا تاماً لا جَبْرَ فيه و لا إكراه في سلوك الطريق الذي يختاره و يهواه سواء مرضـياً لله تعالى أم لا و بناءً عليه : فحرية الإنسان و اختياره في  انتخاب الدين(1) الذي يتديّن به و المنهج الذي يسلكه في حياته شـيء أساسي مرتبط بجوهر الإنسان و وظيفته التي وكل بها في حياته الأرضية أو الحكمة التي خلق من أجلها، و بيان ذلك :

إن الله تعالى أخبر أنه خلق الإنسان للامتحان و الاختبار، ومن البديهي أنه لا يمكن امتحان من لا يملك الحرية و الاختبار و بالتالي لا يتمكّن من انتخاب كل من طريق النجاح و طريق الفشـل ، إذاً فلابدّ للإنسان من أن يكون حـرّاً و مطلق العنان في هذه الحياة الأرضية كي يتسـنّى له الامتحان و بالتالي تتحقق الحكمة التي أرادها الله الحكيم من وراء خلق الإنسان.

المسألة الثانية : الأصل في تعامل المسلمين مع غيرهم في الحالات الاعتيادية هو السـلم و المسالمة:

وهذه حقيقة أخرى صرّحت بها أكثر من آية مباركة في كتاب الله الحكيم، و الآيات التي يفهم منها خلاف ما ذكرناه هي آيات تتحدّث عن حالات غير اعتيادية أي ظروف و أحوال اسـتثنائية. وهذه أمثلة من الآيات التي أعلن فيها بوضوح أو أشـير فيها إلى أن الأصل في تعامل المسـلمين مع غيرهم هو السلم و المسالمة.

[ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ] (البقرة -190)

[ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] (الأنفال -61)

[ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَ عَلَى الظّالِمِينَ ] (البقرة -193)

وأما الآيات التي تتحدّث عن حالات طارئة و ظروف اسـتثنائية فهذه نماذج منها:

[ بَرَاءَةٌ مِنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ] (التوبة -1،2)

والمقصود هنا بالمشركين الذين أعلن الله العزيز براءته و براءة رسوله (صلى الله عليه و سلم) منهم هم المشركون الذين كان لهم عهود و مواثيق سلم مع المسلمين ولكنهم نقضوها بسبب مظاهرتهم للمشركين وتواطؤهم معهم، والدليل على هذا هو أن الله تعالى اسـتثنى في الآية (4) من نفس السـياق المشركين المعاهدين الذين لم ينقضوا عهدهم كما قال تعالى :

[ إِلاّ الّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ]

إذاً : فالمشركون الناقضون للعهد هم فقط الذين أعلن الله تعالى الحرب عليهم وذلك بعد إمهالهم أربعة أشهر كي يراجعوا موقفهم و كي لا يتهم المسلمون بالغدر و إخلاف الوعد و نقض العهد!

ومن تلك الآيات التي نزلت لمعالجة موقف محدَّد و حالة استثنائية قوله تعالى:

[ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ] (التوبة -12)

و واضح من الآية أن الكفّار المعاهدين إذا ما وفّوا بعهودهم ولم يطعنوا في دين الإسلام – حسب الاتفاق المبرم بينهم و بين المسـلمين و انتهوا عن تلك الأعمال و الممارسات التي تعتبر ناقضة للعهد فلا يجوز التعرض لهم لا بالقتل فحسب بل حتى بالقتال!

هذا وقد استدلّ بقوله تعالى :

[ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ] ( التوبة -36) ، على أن كل الكفّار والمشركين بلا اسـتثناء يجوز استباحة دمائهم و أموالهم مادامت للمسـلمين قوة !

ولكن هذا فهم خاطيء لأنه أولا :ً يصطدم مع ما ذكرناه من الآيات المحكمات ، و ثانياً كل ما في الأمر هو أن الله تعالى يأمر المسلمين أن يقاتلوا بمجموعهم المشركين المحاربين، كما أن المشركين يقاتلون المسلمين يداً واحدةً ، متعاونين متعاضدين، هذا إذا قلنا بأن كلمة (كافة) متعلقة بالمسلمين المخاطبين الذين تدلّ عليهم الواو في (وقاتلوا)، ولكن اذا قلنا بأن كلمة (كافة) متعلقة بالمشركين فيكون المعنى حينئذٍ هكذا، قاتلوا أيها المسلمون كل المشركين المحاربين لكم من دون اسـتثناء، إذاً فمن لا يقاتل المسلمين ولا يحاربهم لا يجوز قتاله و محاربته وهذا واضح كل الوضوح إذا تأمّلنا الآية المباركة: [ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ]، ثم إذا تأمّلنا السـياق الذي وردت فيه .

المسألة الثالثة: علّة قتال المسلمين للكفّار هي ظلمهم واعتداؤهم وليس كفرهم :

وهذه حقيقة ثالثة أخرى وضع فيها كتاب الله النقاط على الحروف، حيث بيّن المولى الحكيم سـبحانه و تعالى في أكثر من آية أن الكفار والمشركين إنما يقاتلون من قبل المسلمين من جراء ظلمهم وعدوانهم وليس بسبب كفرهم و شركهم الذي أعطاهم الله تعالى مطلق الحرية في اختياره و اعتناقه كما بيّناه في المسألة الأولى .

وهذه بعض الآيات المباركات بهذا الصدد:

[ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ] (البقرة -190)

ففي هذه الآية المباركة أمر الله المسلمين بقتال الكفار الأعداء الذين يقاتلونهم ثم نهاهم عن الاعتداء ومن الواضح ما يفهم من السـياق إن المقصود بالاعتداء و تجاوز الحدّ هنا هو محاربة الكفار غير المقاتلين ، وهذا تأكيد لما يفهم من الجملة الأولى وهو عدم جواز قتل غير المقاتلين من الأعداء الكفار: [ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ]

وقال تعالى: [ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَ عَلَى الظّالِمِينَ ] (البقرة -193)

إذاً: فعلة تشريع القتال والجهاد هي زوال الفتنة – وهي مختلف الضغوط التي تمارس على الناس للحيلولة بينهم و بين الإيمان و عبادة الله الأحد. وخصوصاً التعذيب ألبدني-، وكون الخضوع لله تعالى فقط بحيث لا يَسـتَعبد أحد أحداً و لا يستذله تحت أية ذريعة و أي عنوان ، والدليل على صحة هذا الفهم للآية هو قوله تعالى في نهاية الآية :

[ فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَ عَلَى الظّالِمِينَ ] أي فإذا زالت الفتنة و انتهى الكفار عن ممارسة التعذيب والظلم والاضطهاد على الناس و رضوا بالحياة السـّلمية مع المسلمين والتزموا المسالمة تجاههم فلا يجوز التعرض لهم لمجرّد كونهم كفاراً . إذ إنما شـرّع الجهاد والقتال ضدّهم لظلمهم و عدوانهم فإذا ما كفّوا عن الظلم والعدوان فقد زال مبّـرر القتال والحرب ضـدّهم إذ لا يجوز التصّدي لغير الظالمين المعتدين من الكفار والمشركين.

و مما يسـتدلّ به على أنّ علّة قتال الكفار هي ظلمهم وعدوانهم وليس كفرهم وشركهم الذي أتاح الله تعالى لهم المجال لاختياره، هو ما حكاه الله في محكم كتابه عن (ذي القرنين) الصالّح الذي قصّ علينا قصّته للاتعاظ والإقتداء، حيث ذكر الله لنا – على لسان ذي القرنين سياسته الرشيدة التي أنتهجها في التعامل مع الأقوام والملل التي كانت تقع تحت دائرة نفوذه بقوله:

[ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ] (الكهف -87،88)

حيث كما نرى قابل ذو القرنين بين (الظلم) و بين (الإيمان والعمل الصالح) و لم يقابل بين (الكفر) و (الإيمان) وهذا يفهم منه بوضوح أن الكفر مسموح به في ظل حكم الشريعة والدولة الإسلامية بخلاف الظلم والعدوان الذي يجب أن يحارَبَ ويُلاحق أينما كان!

والآن نقول :

في ضـوء الحقائق الثلاث المار ذكرها يبدو لنا جليّاً سـاطعاً أن الشريعة الاسلامية العادلة السمحاء لا تسمح بأيّ حال من  الأحوال أن يُتعرّض - في حالة الحرب- للمدنيين الأبرياء الذين ليسـوا طرفاً مشـاركاً في الحرب، وهذا الذي يدُلّ عليه كتاب الله بوضوح  و مارسه رسول الله الخاتم محمـد (صلى الله عليه و سلم) عملياً و طّبقه في غزواته التي قام بها ضـدّ الكفار المعتدين . و كذلك سار من بعده على نفْس المنوال خلفاؤه الراشدون و أئمة المسلمين و قادتهم المهديين في كل العصور .

وقد جاء في صحيح البخاري:

(وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فأنكر ذلك وقال: مَنْ قتل هذه ما كانت هذه لتقاتِلَ ؟!)

وكذلك ثبت عنه وعن خلفاءه الأربعة الراشدين رضي الله عنهم أنهم كانوا ينهون جيوشهم عن قتل النساءِ والصـبيان والشيوخ والمرضى والرهبان والعّمال والفلاّحين والاجراء... الخ)

وكانت الجيوش الإسلامية من جرّاء هذه التوجيهات الربّانية والنبوية أنظف جيوش العالم سجلا وأكثرها بعداً عن الظلم والجور والعدوان، ويكفينا شاهداً بهذا الصّدد ثناء الأوروبيّيـن قديماً و حديثاً على (صلاح الدين الأيّوبى) رحمه الله القائد الكردي المسلم وجيشه الاسلامي!

ومعلوم أن صلاح الدين و غيره من قـادة المسـلمين و أبطالهم لم يتعلّموا النبـّل والعدل و السماحة و الرحمة والشفقة حتى مع الأعداء إلا من القرآن الكريم والسـنة النبوية المباركة .

 علي بابير
أمير الجماعة الإسلامية الكردستانية/العراق

 أربيـل - كردستان العراق
 22 جمادي الأولى 1427
18/6/ 2006


(1) الدين: بمفهومه القرآني في غالب استعماله هو المنهج الذي ينتهجه الإنسان في حياته أياً كان.


طباعة

 

عودة

إغلاق